فحص الثلاسيميا…إجراء “خارج القانون”!

0
378

فحص الثلاسيميا…إجراء “خارج القانون”!

*تعميم من قاضي القضاة بإلزام المقبلين على الزواج بإجراء الفحص وجهود مجتمعية ساهمت بمحاصرة المرض في فلسطين

* تجميد أعمال “التشريعي” حال دون تضمين قانون الصحة بندا يتعلق بإلزامية الفحص قبل الزواج

*حالات محدودة تحايلت على الإجراء: أشخاص فحصوا دمهم والتسجيل بأسماء آخرين!

* أعداد المرضى تقترب من الصفر والفحص المخبري وفر نحو 200 مليون دولار على الخزينة العامة

* تبلغ تكلفة علاج الشخص الواحد المصاب بالثلاسيميا من10-15 الف دولار سنويا

*الحالات الجديدة المصابة بالثلاسيميا محدودة جدا تعود اما لأزواج ارتبطوا قبل عام 2000 أو لأسر تكونت خارج فلسطين

* نسبة الوفيات بين المرضى ما زالت ترتفع بسبب الاهمال او عدم توفير ادوية وطبيب مختص

*اقتراح لاستبدال إجراء الفحص قبل الزواج واعتماده عند اصدار الهوية الشخصية

 

تحقيق : آمال نوفل

إشراف: أ. منتصر حمدان

ترتسم على وجهه معاناة سنوات، تقي الدين ابن الـ(26)عاماً قضاها متنقلا بين المشافي لنقل الدم شهريا كونه يعاني من مرض تكسر الدم  ليمضي حياته  في معاناة كبيرة.

تقي الدين عاش حياته معزولاً عن أبناء جيله في المدرسة بسبب مرضه، وأفكار مزعجة حول أسباب غيابه المتكرر عن مدرسته ويسأل دوما:” ليش أعطل عن المدرسة وأروح كل شهر على مستشفى لإجراء فحوصات الدم؟!”.

تساؤلات زملاء تقي الدين في المدرسة عن سبب شحوب وجهه او نحفه او قصر قامته كانت تصله دون أن يمتلك الإجابة فكيف له أن يعرف او يفهم أن ما به من مرض وراثي ناتج عن حمل والديه سمة الثلاسيميا؟ .

ومع مرور الوقت اصبح تقي الدين قادرا على اجابة تساؤلاته شيئا فشيئا،  واستيعاب معاناته من مرض وراثي ” مريض ثلاسيميا”.  وقال  “هذا قدري تفهمت الموضوع واسعى للعلاج كي اعيش كانسان طبيعي”.

وتابع تقي الدين” لو كنت على وعي بمرضي وتابعته صحيا ما وصلت لهذا الوضع، ولو تلقيت متابعة صحية لكن نموي طبيعيا”، مشيرا إلى أن مرضى الثلاسيميا  الآن يحصلون على كل ما يحتاجونه من وحدات المحفوظة في بنك الدم دون الحاجة لوجود متبرع، بالإضافة الى توافر الادوية  المكلفة جدا حيث تبلغ تكلفة علاج الشخص الواحد من10-15 الف دولار سنويا.

قبل عام 2000 كان يولد في فلسطين (40) حالة سنويا، ما يشكل عبئا كبيرا على ميزانية الدولة، ما دفع الجهات ذات العلاقة لتكاتف جهودها للحد من ولادة حالات جديدة، وتمثل ذلك بإصدار تعميم يلزم الازواج إجراء  الفحص الطبي قبل الزواج وإبراز شهادة صادرة عن وزارة الصحة تشير إلى خلو احد الزوجين من السمة الوراثية للثلاسيميا.

واضاف تقي الدين “بتحز بنفسي اشوف مرضى اصغر مني  يتألموا ويعيشوا الحياة اللي عشتها ” وبحب اقول ان اهمية الفحص الطبي يا بتكون سعيد بحياتك يا بتكون تعيس ” “وفشي حب بيدوم”، هذا ما عبر عنه تقي الدين في التأكيد على اجراء  الفحص الطبي قبل الزواج كي لا يرى بعده من يتألم.

الزامية الفحص الطبي قبل الزواج:

انتشر مرض الثلاسيميا بشكل واسع في المجتمع الفلسطيني  حيث وصلت حالات الاصابة إلى اكثر من40 حالة قبل عام 2000، فكان لا بد من تكاتف جهود المجتمع المحلي مؤسسات وحكومة لتخفيض عدد حالات الثلاسيميا والتي تؤدي الى انخفاض نفقات العلاج الملقاة على كاهل الدولة.

ولم يكن هناك طريقة لتخفيض اعداد حالات الثلاسيميا الا بالتأكد من أن المقبلين على الزواج ليسوا حاملين ولا مصابين بالثلاسيميا، عبر الزامهم بإجراء فحص الدم قبل الزواج لأن احتمالية الاصابة تزيد عندما يكون كلا الزوجين يحملان الصفة الوراثية للمرض.

الالزامية بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج كانت احدى الحلول في مواجهة هذا المرض المكلف ماليا ونفسيا حيث اصدر الشيخ تيسير التميمي قاضي القضاة سابقا تعليمات حول مرض الثلاسيميا وكيفية تخفيضه، يمنع اتمام عقود الزواج دون الفحص وحصول العروسين على شهادة خلو من مرض الثلاسيميا التي تصدرها وزارة الصحة.

وحسب ما قاله التميمي فانه لا يمكن تخفيض نسبة الإصابة بهذا المرض الا من خلال الزام العروسين بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج، موضحا  انه منذ  صدور القرار لن يعقد قران الا بعد الفحص الطبي للتأكد من خلو احد الزوجين من الاصابة بهذا المرض او حمله لأن المرض ينتقل الى الجنين اذا كان الطرفان مصابين بهذا المرض.

وتابع :” طلبنا من الرجل الخاطب  اجراء الفحص اولا  لمعرفه اذا كان  يحمل هذا المرض  ام لا،  لأن خلو احد العروسين من المرض يكفي لإتمام عقد الزواج حتى لو  كانت الزوجة تحمله “.

وجرى تعميم هذا القرار على المحاكم الشرعية في فلسطين بعدم اتمام عقود الزواج الا بعد فحص أحد الزوجين ونبدأ بالخاطب الرجل”.

وشكل صدور التعميم  نقطة فاصلة رغم عدم وجود نسب او ارقام او كيفية اجراء الفحص، ما دفع جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا إلى اصدار تعميم لاحق تبع التعميم الصادر من ديوان قاضي القضاة يتضمن العديد من القضايا التي يجب توضيحها بخصوص الزام الفحص وخاصة انه لم يكن هناك وعيا مجتمعيا كافيا حول الموضوع، بالإضافة الى عدم معرفة كيفية قراءة الفحص لمعرفة الحامل من المصاب من السليم.

د.بشار الكرمي رئيس جمعية اصدقاء مرضى الثلاسيميا أوضح ما جرى بعد اصدار التعميم والتخوفات  من نتائجه ، وقال “كان لدينا تخوف من عدم قدرتنا على مواكبة السرعة التي صدرت فيها التعليمات عام 2000 حيث صدرت تعليمات ملزمة في شهر (5 ) في الضفة الغربية وفي شهر( 9 ) على مستوى قطاع غزة،  دون توضيح التفاصيل ونحن كجمعية ادخلناها لاحقا  واشتملت على المؤشرات التي سنعتمدها وما هو الرقم الذي يعتمده المختبر حتى نقول إن هذا يحمل أو لا يحمل الصفة الوراثية.

ما هو الفحص الطبي قبل الزواج؟

الفحص الطبي قبل الزواج هو عبارة عن فحص الدم الكامل CBC، المتوافر بشكل مجاني في وزارة الصحة، وخلاله تظهر عدة نتائج من ضمنها معدل  الـMCV حجم كريات الدم الحمراء، وحجمه الطبيعي يتراوح ما بين 80-100 فاذا كانت نتيجة الفحص اكثر من 80 فهذا انسان سليم يتم اعتماد فحصه واقراره ويعطى شهادة خلو من المرض اما اذا كان الفحص اقل من 80 فيصبح مشكوكا في هذه النتيجة ولا يتم اعتمادها لاحتمالية حمل الفاحص للصفة الوراثية للثلاسيميا فلا تعطى له شهادة لأنه كما اوضح د.علي عبد ربه، ” اقل من80  لا نعطيهم الشهادة التي هي مثل علامة التوجيهي”.

وبالتالي فإن الزوج يصبح  أمام خيارين اما أن يجلب خطيبته لإجراء الفحص فإذا كانت نتيجة فحصها أعلى من(80) يحصلون على الشهادة أو يخضع لفحص آخر للتأكد من أنه حامل وهو فحص الترحيل الكهربائي او في غالبية الحالات لا يتم الزواج وهذا افضلها للابتعاد عن الشك.

وجرى الزام الشباب اولا قبل الفتيات بإجراء الفحص الطبي وفي حال تبين اصابة الشاب بالمرض يتم  اخضاع عروسه للفحص بعد ذلك للفتاة، وكان هذا الشرط لأسباب اجتماعية وعلمية وطبية، مرتبطة بثقافة المجتمع خاصة فيما يتعلق بالفتاة اذا كانت حاملة للصفة الوراثية.

اما  الأسباب العلمية الطبية وهي أن الفتيات غالبا ما يكن يعانين من نقص الحديد مما يؤثر على نتيجة الفحص والذي يظهر اقل من المعدل الطبيعي كمعدل الحمل للسمة الوراثية للمرض فلا يتم منحها الشهادة على الرغم من عدم حملها للسمة.

الية اجراء المخبري

الاول: فحص CBC عد الدم الكامل والتي تبين فيها نتيجة ال  MCVونتيجتها الطبيعة من80-100 والغالبية العظمى يكتفون بهذا الفحص الا اذا كان هناك شك في النتيجة فينتقل الى فحص اخر.

الثاني: فحص الترحيل الكهربائي والذي يجب ان تكون نتيجته الحد الاعلى لها 3.7 واقل من هذا الرقم يقبل ويكون سليم وفي حالات اقل يحتاج الى فحص اخر لوجود شك ايضا في نتيجة هذا الفحص.

الثالث: فحص الموروثات الDNA وهو اخر فحص ويعطي نتيجة اكيدة لا شك فيها.

يشار إلى أن فحص الترحيل الكهربائي وفحص الموروثات لا تتم في الوزارة وانما على نفقة المفحوص، وبعد اجراء الفحوصات والتأكد 100% انه لا يوجد اي احتمالية لحمل الصفة الوراثية والتأكد منها من قبل وزارة الصحة يتم منحه الشهادة.

وأشار الدكتور علي عبد ربه  رئيس قسم الطب الوقائي في وزارة الصحة التي تصدر شهادة مسؤولة عن محتوياتها وتتحمل كافة مسؤولياتها وكاتب المأذون الشرعي يأخذ بهذه الشهادة ويعتمدها” لذلك يجب ان تكون دقيقة  تماما.

الفحص في وزارة الصحة والأخطاء في النتائج:

فحص عد الدم الكامل او(الفحص الطبي قبل الزواج ) فهو فحص سهل وبسيط وفي متناول الجميع، يجرى بشكل مجاني في وزارة الصحة، يسجل الخاطب للفحص في قسم التسجيل ويجري الفحص في المختبر و يصدر المختبر النتيجة لطبيب الطب الوقائي فاذا كانت نتيجته طبيعية يعتمده ويقرره ويوقع عليه و يعتمد من مدير الصحة او من ينوب عنه.

اما الاخطاء فاوضح د.علي عبد ربه” لان الموضوع سهل اول خطوة تعمل هي( CBC) وننظر الى( MCV )حجم كريات الدم الحمراء ان كانت طبيعية 80 فما فوق فهنا احتمالية ان يكون الشخص حاملا لصفة الثلاسيميا صفر، اما  اذا كانت اقل من 80، (79.9) هذا الفحص غير قابل ليكون معتمدا ، بالتالي يصبح ملغيا فينتقل الى الترحيل واذا كانت نتيجة الترحيل غير مقنعة ننتقل الى” DNA”.

ولا يعطى من كانت الـ”MCVJ” عنده وعند خطيبته اقل من 80 لانهما في الاغلب حاملان للصفة الا اذا كانت لديهما رغبة في اكمال الفحوصات التي تحدد لهما ان كانا حاملين. فالأخطاء تكاد تكون معدومة.

وزارة الصحة تبنت فحص الثلاسيميا منذ عام 2008:

ولدت الزامية الفحص الطبي عام 2000 على يد الشيخ تيسير التميمي وكانت شهادة الخلو الزامية حتى عام 2008 حيث تصدر من جمعية اصدقاء مرضى الثلاسيميا وكان الفحص حتى وقتها يجرى في مختبرات خاصة على نفقة الشخص.

ومنذ عام 2008 تبنت وزارة الصحة الفحص الطبي قبل الزواج عام 2008 في عهد  وزير الصحة د.فتحي ابو مغلي، بان يجرى في مختبراتها مجانا وهي الوحيدة المخولة في اصدار شهادات الخلو .

وكان لصدور الفحص الطبي من المختبرات الخاصة العديد من السلبيات والأخطاء الشائعة فحدث العديد من حالات التزوير، بالإضافة إلى عدم الالتزام بنتيجة الـ MCV ان تكون80 فما فوق، وكان هناك تهاون فيها فيقبلون الأقل بحجة انها قريبة وتصدر الشهادة وتنتج حالات مريضة.

احداها كما ابلغتنا جهاد ابو غوش  امين سر جمعية اصدقاء مرضى الثلاسيميا كان في الخليل”حصلت بعض الأخطاء في بعض العائلات منها في الخليل إذ دخلت في قضية عشائرية مع وزارة الصحة”، مبينة أن  الوزارة اكتشفت فعلا ان هناك خطأ في المختبر  ذلك بفرض إجراءات صارمة لردع هذا المختبر واعطت الحل البديل للعائلة لعمل زراعة انابيب باختيار الطفل السليم وكان بتبرع من مختبر رزان فكان الزوج خياره اما الطلاق او زراعة انابيب لزوجته لاختيار العينة السليمة (البويضة السليمة) وفعلا تم هذا الاجراء وفشل الحمل ثم ابتعثت الى ايطاليا لزراعة نخاع على نفقتها “. ولفتت إلى أنه بعد ان تبنت وزارة الصحة الفحص الطبي اخذ الموضوع زخما وجدية واهمية اكثر.

واشار د.بشار الكرمي الى اهمية تبني الصحة للفحص في انخفاض الأخطاء التي كانت تحدث في المختبرات الخاصة”عندما دخلت وزارة الصحة على المشروع يعني باختصار لما يكون الموضوع محصور بين 100و200 مختبر مش زي ما يكون محصور في 14 مديرية صحة ووزارة الصحة في نهاية المطاف جهة رسمية في مسؤولية وفي تدوين وارشفة الخ”

اما ابو غوش، فأثنت على الوزارة تبنيها للفحص وقالت” نحن لا نستطيع تحمل مسؤولية المواطنين ولكن مسؤولية المواطن يجب ان تكون وتقع على كاهل وزارة الصحة”.

اما سبب عدم تبني وزارة الصحة للفحص الطبي منذ بداياته فكما اوضح الدكتور علي عبد ربه ” كل بداية يكون لها تقديرات ومع الوقت يتم تقييم للعمل وللأداء، مضيفا” عندما رأت وزارة الصحة ان هناك امكانية للتزوير والتحايل والتلاعب انه يمكن جلب فحص من اي مختبر المشكلة انه الفحص نتيجته 78او 79 هذا بالمنطق غير حامل للثلاسيميا فيعطيه شهادة المختبر الخاص بانه غير حامل للثلاسيميا”.

واضاف :”لكن هنا نقع في اشكالية انخفاض المعيار من 80-77 فهنا ما الفرق بين 77 و76 وبيصير ينزل لل60 ولل50 بما انو اعطى للي معاه 70 بعطي 69 وهكذا يكون دخل لمنطقة الخطر لأنه دخل في حالات 90 او 95% مصابة مش بس حاملة للصفة هنا تنبهت وزارة الصحة فقالت يجب ان يسود القانون ونحن لا نعطي الا حسب معايير احنا بنحددها دايما انا بحكي زي علامة التوجيهي 49.9 راسب و 79.9 لا يعطى شهادة”.

التحايل على الفحص الطبي قبل الزواج وعقابه:

في بدايات الفحص الطبي، بالإضافة الى الاخطاء الشائعة كان هناك حالات كثيرة تتحايل على الفحص، بمعنى ان يكون المقبلان على الزواج حاملين للسمة، ويتحايلان كي يتزوجان لأسباب عدة.

وكشفت حالات مصابة بالمرض انه مع  وجود الالزامية فان هناك استحالة لأجراء عقد زواج بدون شهادة خلو، ما دفع بعض الحالات للتحايل على القانون وهذا بان يكون الفحص مسجلا باسم شخص والفحص يجرى لشخص اخر وتصدر النتيجة على اسم المسجل.

وبهذا الخصوص اصدرت وزارة الصحة تعليمات جديدة عند اجراء الفحص في مختبراتها وهي كما اشار د.علي عبد ربة الى فرض اجراء  ابراز الهوية عند عمل الفحص للتأكد من الشخص.

ومن كان لا يملك هوية من الفتيات لانهن يتزوجن قبل السن القانوني لإصدار الهوية كان لا يجرى الفحص لهن وبالتالي لا يوجد شهادة.

وعند سؤال الدكتور علي عبد ربة عن وجود عقاب او ردع لمن يتحايل على القانون القائم، فأجاب: “من يتحايل على القانون سيعاقب فقانون الصحة العامة صارم جدا ويخول وزارة الصحة  رفع دعوى من النائب العام والنيابة لأنها مسؤوليتنا واضاف قائلا ” هذا مش حقك هذا، بل حق الدولة والصحة انت مش حر انت حر بحالك ولكن اذا بدك تأثر على المجتمع فليس من حقك تقرر”

اما جهاد ابو غوش وصفت الفحص بانه” اسهل فحص ممكن عمله في الامراض الوراثية هو الثلاسيميا، لكنه اصعب الامراض تقبلا على المستوى المجتمعي”.

المشاكل الاجتماعية التي تواجه الفحص الطبي:

كما تم الاشارة سابقا ان للفحص الطبي تبعيات اجتماعية وخاصة اننا نعيش في مجتمع شرقي وعنده الحامل للمرض مصاب وتصبح هناك وصمة اجتماعية على العائلة فلا يتزوج منها أحد وخاصة في ظل غياب الثقافة فكما اشار الدكتور بشار الكرمي لهذا الموضوع.

وقال الكرمي:”فحص ما قبل الزواج في ظل تواضع المستوى المعرفي لدى المواطنين كم بنت اذا شخصت انها تحمل الصفة الوراثية ممكن انها تكمل زواجها بعد هيك وبعد سنوات من التفكير المعمق وهذا بنفتخر فيه كمجتمع فلسطيني نحن المجتمع الذي طرح نموذج ان فحص الشاب”.

واكمل “نحن عندما نتكلم مثلا عن 50الف عقد قران،  لنفرض سنويا اذا بنحكي عن 4% يحملون الصفة الوراثية اذا 50الف بنت سيفحصن، 2000 بنت سيحملن الصفة الوراثية فكم بنت  في ظل تواضع المعلومة العلمية عند الشباب او العائلة المقابلة يمكن لها أن تكمل الزواج؟!!.

واضاف:” فهذا كان سؤال حساس جدا ونحن لا نريد لا سمح الله أن نتخلص من مشكلة مرضية ونوجد مشكلة مجتمعية، إضافة إلى أن عدم المعرفة عند الناس بطبيعة المرض الوراثي و الخ فلا نريد ان يشهر الموضوع بأن لدى البيت الفلاني الصفة الوراثية،  فهذا اخذ منا جهدا كبيرا من أجل أن نوصل معلومة صحيحة للمواطن الفلسطيني”، مؤكدا أهمية نشر الوعي والثقافة حول الموضوع وخاصة في بداياته.

نشر الثقافة في موضوع الثلاسميا:

تضافرت الجهود المجتمعية في نشر الثقافة حول موضوع الثلاسيميا وما زالت تنشر فيه حتى اللحظة وتطوره حتى تصل المعلومة الصحيحة للمواطن ويتم بناء جيل جديد خال من الثلاسيميا وواعيا لها.

فأغلبية المقبلين على الزواج يمرون على فحص الثلاسيميا كاي اجراء اخر متطلب لعقد الزواج ولا يعرفون او يتعمقون فيه ويعلمون ما هو ، كما اشارت جهاد ابو غوش لهذا كان من المهم نشر الثقافة والوعي حوله.

ونشر الثقافة يجب ان يكون من كل الجوانب التي يتعرض لها الإنسان حكومية او غير حكومية فعملت جميعا بجانب بعضها الى جانب الزامية الفحص الطبي بتفتح مدارك المواطنين ووعيهم لهذا المرض ومخاطره.

فالجمعية عقدت الندوات والدورات والتدريبات وعملت مع المؤسسات الاخرى لنشر الموضوع ، وقامت وزارة التربية والتعليم بتضمين هذا الموضوع في مناهجها، ووزارة الاعلام الممثلة بوسائل الاعلام المختلفة قامت بنشر معلومات حول الموضوع، اما  وزارة الصحة فبالإضافة إلى تبنيها للفحص الطبي بشكل مجانا في مختبراتها قامت من خلال دائرة التثقيف والتعزيز الصحي بنشر الثقافة والوعي حول موضوع الثلاسيميا .

لبنى الصدر مديرة دائرة التثقيف الصحي قالت” موضوع الثلاسيميا من الاولويات التي نهتم فيها وزارة الصحة دعمت موضوع الفحص الطبي قبل الزواج، ونحن كدائرة التثقيف بقضايا التوعية  تشاركنا  مع الجمعية من خلال تدريب كوادر تثقيف صحي موجودة في كافة مديريات الصحة في الوطن، بالإضافة الى انه تم اصدار نشرات تثقيفية بالتعاون معهم في المرحلة المتقدمة اكثر”.

واضافت:” عملنا على قضايا التوعية والوقاية من هذا المرض مع فئة المرضى ايضا”، موضحة  انه تم تنفيذ برامج الصحة الانجابية خاصة لتوعية الازواج الشابة المقبلين على الزواج ولهذا الغرض عقدت عدة ورشات تدريبية لمجموعة من الكوادر الصحية والتثقيفية وتدريبهم كمدربين على اساس ان يواصلوا العمل مع فئة الازواج الشابة سواء الذين يرغبون بعقد قرانهم او متزوجين حديثا او فئة الجامعات بهدف توعيتهم حول موضوع الثلاسيميا .

اصرار حاملين للسمة الوراثية على الزواج:

هناك بعض الحالات التي تصر على الزواج رغم حملهما للسمة الوراثية بشكل قطعي، فتكون هناك اجراءات اخرى في ظل عدم وجود قانون منع زواج وذلك بمحاولة ردعهم بعدة طرق، كنصحهم.

ففي حالة حملهما للصفة الوراثية لا تكون هناك شهادة خلو فقلة الجواب جواب في هذه الحالة يكونوا قد اخذوا الرد القاطع من وزارة الصحة، وهنا يكون الموضوع كله عند المحكمة الشرعية فاذا توجها للمحكمة بدون شهادة خلو فلن يتم عقد القران ويتم تحويل الموضوع او ترحيلهم الى رئيس المحكمة ويعرضهم على الجهات ذات الاختصاص لنصحهم للعدول عن قرارهم، فاذا لم يعدلوا هو من يكون له الحق ان يقرر اذا كان سيعقد القران ام لا وان كان سيتخذ اجراءات اخرى ام لا، لانه وكما اوضح  د.علي عبد ربه بان” نحن كوزارة صحة الموقف ليس موقفنا لانه في النهاية لسنا من نعقد القران من يعقد المحكمة الشرعية والتي بدورها بدون شهادة من وزارة الصحة تثبت خلو الشخص من الثلاسيميا لا تكتب الكتاب، بالتالي يكاد يكون مستحيلا الا اذ إذا رغبا بالزواج دون كتب كتاب وهذا مستحيل ايضا”.

فحدثنا د.علي عبد ربة عن حالة مشابهة كانت تصر على الزواج “قبل عد أشهر جاءنا شخص يريد ان يخطب فتاة قريبة له، وبعد الفحص تبين أن كلاهما حاملين للصفة ما يعني عدم إمكانية منحه شهادة الخلو من المرض، فأخبرنا بأنه على استعداد ليمضي على تعهد بإجراء فحص DNA  واحضار النتائج،  فقلنا له عن كانت النتائج تسمح بإعطائه الشهادة فلا مانع لدينا من ذلك، ولكن هذا الفحص يجرى في مستشفى المقاصد.

لماذا الزامية الفحص تعميم وليست قانونا؟

الفحص الطبي قبل الزواج هو تعميم صدر عن قاضي القضاة عام 2000 ولم يقر كقانون وذلك لعدة اسباب، فكما اشارت جهاد ابو غوش “فعلا جرى نقاشه في قانون الصحة العامة بوزارة الصحة لعام 99 إذ تم ادراج الزامية الفحص الطبي قبل الزواج بقانون ما يعني منع اي حالات تحمل الثلاسيميا من الزواج،  ولكن المجلس التشريعي في ذلك الوقت لم يفعل هذا البند في قانون الصحة العامة وبعد ذلك تجمدت أعمال المجلس التشريعي” .

والأهم من هذا كله هو الاخلاقيات “كان في محاضرة في المؤتمر الثاني قدمها د.امية خماش تكلم عن عدم جواز منع  أي اثنين يرغبان بالزواج من بعضهما، لذلك نجاح محاصرة المرض جرى عن طريق الإلزام كتعميم وليست قانونا” .

هذا بما يتعلق بعد اصدار قانون وكما اوضح الشيخ تيسير التميمي “ما يتم الا به فهو واجب فاذا ما رأى ولي الأمر ان منع انتشار مرض يتأتى بإلزام المجتمع بالفحص الطبي قبل الزواج”.

الزامية الفحص وانخفاض اعداد المواليد المصابين بالثلاسيميا:

انخفضت اعداد المصابين من المواليد الجدد بمرض الثلاسيميا بشكل كبير جدا حيث وصلت الى قريب الصفر وهذا بسبب الجهد الشعبي الوطني الذي حدث في فلسطين بإلزامية الفحص من جانب ورفع الوعي بمخاطر هذا المرض من جانب آخر، وكانت نسب الانخفاض ملحوظة منذ عام 2002:نسب الانخفاض جدول رقم(5):

عدد المواليد منذ عام 2013:  جدول رقم (6)

اسباب وجود حالات جديدة مصابة بالثلاسيميا:

وما زالت هناك حالات جديدة مصابة بالثلاسيميا لكنها  محدودة جدا  تعود اما لأزواج وأسر تكونت قبل عام 2000 واما لأسر تكونت خارج فلسطين لم تتعرض للتثقيف والتوعية التي تعرض لها المواطن واحيانا تكون حالات نادرة لا تتعدى اصابع اليد الواحدة.

وأشار د. الكرمي إلى أن تأثير الزيجات القديمة يستمر لمدة (20) عاما من الانجاب لهذا من المتوقع أن ينتهي تأثيرها وصولا عند العام 2020.

انخفاض الانفاق الحكومي:

وهذا الانخفاض في أعداد مرضى الثلاسيميا صاحبه تراجع ملحوظ في الانفاق الحكومي على بسبب انخفاض عدد المصابين، مبينا أنه باحتساب وجود 60-70 حالة ولادة كل عام قبل عام 2000 مصابة بالمرض وصولا إلى نسبة ولادة صفر بعد هذا التاريخ يعني توفير قرابة 150-200 مليون دولار كان يمكن لوزارة الصحة ان تنفقها على المرضى فيما لم يتم تطبق الإجراء الخاص بالفحص المخبري قبل الزواج.

الحلول لعلاج المرضى ومدى توفرعلاجه:

الحلول لعلاج الحالات الحالية هي اما دائمة او مؤقتة، فالمؤقتة بنقل الدم الدوري والعلاجات الاخرى للحفاظ على نسبة الحديد في جسم المصاب. اما الحلول الدائمة فهي زراعة النخاع وهي حل مطروح كما اشار الدكتور بشار الكرمي” في بروتوكول اتفاقية بين وزارة الصحة والحكومة الايطالية وبروتكول اخر مع اليونانيين والجمعية ممثلة بعضو في لجنة لاختيار الحالات المؤهلة للاستفادة من هذه العمليات.

 وأضاف “في اللقاء الاخير كان هناك اختيار لأول 10 حالات للذهاب إلى ايطاليا من أجل اجراء العملية ولكن لا تستطيع علاج الـ800 مريض بنفس الكيفية”، اما العلاج بالموروثات فلم ينجح على أرض الواقع حتى الآن.

الاستغناء عن الفحص الطبي قبل الزواج:

والاستغناء عن فحص الثلاسيميا كمتطلب لعقد القران ممكن كما أوضح الدكتور بشار الكرمي ويتطلب ذلك عدم وجود حاملين للسمة وهذا يحدث بالمتابعة من الحالات الحاملة فهي مشكلة جيل او جيلين، مشيراً إلى أنه يمكن الاستغناء عن الفحص الطبي قبل الزواج اذا تم توفير ضمانات بإجراء الفحص كمتطلب لإصدار الهوية بحيث يتعرض المواطن لمعلومة علمية تخصه شخصيا، فعندما يأتي لخطوة الزواج يكون عارفا انه يحمل الصفة الوراثية فيبحث عن فتاة لا تحمل الصفة الوراثية، لافتا إلى أن  الجمعية خاطبت مجلس الوزراء بخصوص هذا الاقتراح في انتظار الرد.

ويبين أنه يمكن تطبيق هذا الإجراء على مرحلتين، في الأولى وتكون مدتها عشر سنوات يجري الشخص الفحص مرتين، مرة عند اصدار الهوية وأخرى عند عقد الزواج، ثم بعد ذلك تأتي المرحلة الثانية والتي يمكن فيها  الاستغناء عن إجراء الفحص عند الزواج بتثبيت إجراء الفحص عند اصدار الهوية.

وعلى الرغم من التقدم الصحي وتوفير الأدوية لمرضى الثلاسيميا إلا أن نسبة الوفاة ما زالت ترتفع بسبب الاهمال او عدم توفير ادوية وربما السبب الاهم يتمثل في الرعاية فلا يوجد طبيب مختص بمرض الثلاسيميا وانما طبيب امراض دم .

تقي الدين لا يزال يشدد على أهمية اجراء الفحص قبل الزواج كي لا تعاني الأجيال الجديدة مما عاناه هو . تقي الدين أصبح اليوم نموذجا يحتذى به في التحدي والاصرار والتعايش مع المرض فيقول ” الثلاسيميا ما بعتبره مرض بعتبره صديق”. المريض يستطيع التغلب عليه إذا عالجه بشكل صحيح ومرضى الثلاسيميا يعيشون حياة طبيعية فتقي الدين انهى دراسته في الكلية العصرية تخصص ادارة اعمال وهو الان يعمل في جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا ويكمل دراسته في جامعة القدس المفتوحة تخصص ادارة ، فلا زالت صدى عباراته تتردد دائما ” المرض مش عائق”و ” مريض الثلاسيميا انسان عادي”.